الشهيد الأول
190
جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 )
ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 1 » ، ولوجوب سلوك الطريق الأمن عند معارضة المخوف ، ولأنّ في مخالفة الأمر ضرراً مظنوناً فيجب دفعه ، ولا يتمّ إلّابالحمل على الوجوب . ويشكل بأ نّه لا يدلّ على وضع الصيغة للوجوب الذي هو المدّعى ، فإنّه وارد على تقدير اشتراكها بين الوجوب والندب ، بل وعلى تقدير وضعها للقدر المشترك ، أو حقيقة في الندب مجازاً في الوجوب . احتجّ القائلون بالاشتراك بين الاثنين والثلاثة والخمسة باستعماله فيها ، وهو دليل الحقيقة . وأُجيب بوجوده مع المجاز كالحقيقة ، ولو سلّم أنّ الأصل في الإطلاق الحقيقة لكنّه يترك للدليل ، وقد تقدّم . واحتجّ القائلون بالقدر المشترك بين الوجوب والندب - وهو مطلق طلب الفعل - باستعماله فيهما ، فلو كان حقيقةً في أحدهما لزم المجاز ، ولو كان حقيقةً فيهما لزم الاشتراك . وأُجيب : المجاز وإن خالف الأصل يجب القول به ؛ للدليل الدالّ على كونه حقيقةً في الوجوب بخصوصه ، وهو يوجب مجازيّته به فيما عداه ممّا استعمل كالندب ، وكالقدر المشترك بينهما ، وإلّا لزم الاشتراك المخالف للأصل المرجوح بالنسبة إلى المجاز إذا تعارضا . وأيضاً فالمجاز لازم على تقدير عدم الاشتراك ، سواء وضع للقدر المشترك بينهما ، أو للوجوب وحده ، أو على تقدير كونه للقدر المشترك بكون استعماله في كلّ واحد بخصوصه مجازاً ؛ لأنّه لم يوضع له اللفظ ، ويحتاج إلى القرينة في دلالته عليه ، فاحتمال كونه حقيقةً في أحدهما مجازاً في الآخر أولى من القدر المشترك ؛ لاستلزامه كثرة التجوّز . فإذا عرفت ذلك في الأمر المبتدأ فاعلم أنّ الاختلاف واقع بين القائلين
--> ( 1 ) . مسند أحمد ، ج 3 ، ص 623 ، ح 12140 ؛ سنن الدارمي ، ج 2 ، ص 245 ؛ الجامع الصحيح ، ج 4 ، ص 668 ، ح 2518 ؛ سنن النسائي ، ج 8 ، ص 244 ، ح 5408 .